ما هو رأيك في الموقع
إن نهوض الدراما السورية في السنوات الأخيرة حقيقة واضحة وهي ثمرة تطوّر وجهود طويلة لمبدعي وفنّاني هذا القطر الزاخر بكل إمكانات التطور والانطلاق
الدراما السورية وتشويه الواقع
الثلاثاء 11 تشرين الثاني 2008
إن نهوض الدراما السورية في السنوات الأخيرة حقيقة واضحة وهي ثمرة تطوّر وجهود طويلة لمبدعي وفنّاني هذا القطر الزاخر بكل إمكانات التطور والانطلاق.
وهذا النهوض ليس طفرة أو مصادفة بل قد أصبح راسخاً. وأهم قوة فيه هو بحثه الدائب عن الجديد ووضع يده على مكامن المرض المعرقل لمسيرة هذا الوطن. وطرحت الدراما السورية مواضيع مختلفة في معالجات متباينة المستوى الفني، وأهم المواضيع الاجتماعية: الصراع من أجل المال والسلطة، الانتهازية.. الجشع..أوضاع المرأة.. مخاطر الطبقة الطفيلية..تفكك الطبقة المتوسطة.. أحزمة الفقر المحيطة بالمدن وإفرازاتها الاجتماعية والأخلاقية.. العولمة وآثارها.. الاغتراب..كما عالجت الدراما موضوعات تاريخية فاستحضرت شخصيات..صلاح الدين، خالد بن الوليد، سيف الدولة، أبو جعفر المنصور، وأحداثاً ووقائع القادسية ..حطين.. اليرموك.. كما تطرقت للقضية الفلسطينية بعمق وشمولية كما في مسلسل (التغريبة الفلسطينية) وأهم نقد يوجه إلى الموضوعات التاريخية هو أنها لم تستطع أن تثوّر الحاضر وأن تثير حراكاً سياسياً واجتماعياً يخلّص الأمة من رواسب الماضي العالقة. بل اكتفت في كثير من الأحيان بعرض التاريخ وسرده كما هو دون إعادة تفكيكه وتركيبه برؤية مستقبلية. والخطر الأكبر الذي يهدد الدراما في رأيي هو حركة رأس المال الذي أصبح يتحكم بالموضوعات ويفرض رأيه في اختيارها حسب طلب السوق أو لغايات أخرى كامنة ولعلّ مسلسل(باب الحارة) هو الصورة الأمثل لتحكّم هذا المال. فلماذا يصرّ أصحاب رأس المال هذا على إنتاج تلك الأجزاء؟ مع أن هذا المسلسل يجهل أو يتجاهل أنّ الحارة التي يقدّمها عن دمشق في الثلاثينيات هي حارة ممسوخة مشوّهة ولا وجود لها إلاّ في ذهن كاتبه، فدمشق قد حطّمت أبواب الحارات منذ أكثر من مئة عام على أحداث المسلسل. ودمشق في فترة ما بين الحربين كانت تضج وتغلي بحراك سياسي واجتماعي وثقافي وعلمي.. فكان في دمشق أثناء تلك الفترة عشرات المدارس للبنين والبنات بل إن في دمشق مدارس للبنات منذ أواخر القرن التاسع عشر. وفي فترة أحداث المسلسل كان في دمشق كليتان للطب والحقوق ودار للمعلمين والمعلمات ومجمع للغة العربية تأسس على يد الأديب والصحفي والسياسي محمد كرد علي العام 1919 . ولم نسمع في المسلسل عن مفكر أو أديب أو مناضل من أبناء تلك المرحلة وأبناء الحارات التي أغلقها الكاتب بباب من صنع خياله ومن تلك الأسماء: خليل مردم بك، فخري البارودي، فارس الخوري، أحمد الصافي النجفي، سعد الله الجابري، عبد الرحمن الشهبندر، نجيب الريس، شفيق جبري.. ولم أسمع أو أر خلال كل هذا المسلسل بأجزائه الثلاثة عما يشير إلى نشاط الأندية الثقافية والفنية التي كانت قد تأسست وانطلقت. وأحب أن أعلم أصحاب هذا المسلسل أن أجمل أناشيدنا الوطنية والقومية التي ما زلنا نتغنى بها إلى الآن: حماة الديار (خليل مردم) نحن الشباب (الأخطل الصغير) في سبيل المجد (عمر أبو ريشة)بلاد العرب أوطاني (فخري البارودي) هي ابنة تلك المرحلة. وهل يعلم صانعو هذا المسلسل أن دمشق (باب الحارة؟) أقامت مهرجاناً لشوقي أمير الشعراء العام 1925 ومهرجاناً بمناسبة مرور ألف سنة على وفاة المتنبي في 23/ تموز العام 1936 ولا أدري لماذا يصرون على تقديم دمشق بهذه الصورة المسخ،هل هو الجهل أم السعي وراء الربح أم ؟!
إن الخطورة تكمن في أنّ المشاهد الذي اكتفى بالتلفاز وسيلة لأخذ ثقافته الضحلة يتوهّم أنّ ما يشاهده هو الحقيقة التي يريدون غرسها بعمق في عقله. لقد فرّخت هذه الأعمال بيضاً فاسداً.. فأهل الراية وهو أحد تلك الفراخ قائم على حكاية اتهام ابنة زعيم الحارة واسمها (قطر الندى) بالزنا في مؤامرة من صنع زوجة الأب العاقر.. وبعد شهادات مزوّرة من قبل القابلات المرتشيات يصرخ زعيم الحارة (الأب) سأطبق عليها الحد!! سأطبق عليها الحد !! ويرسل من يطعن الفتاة مطبقاً عليها الحد. ولا أدري كيف انطلت هذه المغالطة على الكاتب والمخرج وصنّاع العمل؟ إذ أنّ حدّ الزنا على الفتاة والشاب العازب واضح في القرآن الكريم وهو مئة جلدة وضمن شروط قاسية أيضاً أهمها اعتراف الشاب أو الفتاة..الشهود. والحاكم فقط هو من يقوم بالحد. فأية مغالطة هذه ؟! وقد استقرت في الأذهان للأسف، ولم يصححها أحد ونحن أحوج ما نكون إلى استئصال ومعالجة ما يسمى بجرائم الشرف.
وأخيراً أقول إن الفن مسؤولية وأمانة ورسالة صدق قبل أن يكون مالاً أعمى يبحث عن الربح فقط. هذا إذا افترضنا أن دافع الربح وحده هو من يصنع هذه الأعمال ولا شيء آخر.